الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

275

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ونشاهد تقديم ذكر السمع على البصر في الآية مع ما للعين من عمل أوسع من السمع ، ولعل ذلك لسبق الأذن في العمل على العين بعد الولادة ، حيث أن العين كانت في ظلام دامس ( في رحم الأم ) ونتيجة لشدة أشعة النور ( بعد الولادة ) فإنها لا تستطيع العمل مباشرة بسبب حساسيتها ، وإنما تتدرج في اعتيادها على مواجهة النور حتى تصل للحالة الطبيعية المعتادة ، ولذا نجد الوليد في بداية أيامه الأولى مغلق العين . أما بخصوص الأذن . . فثمة من يعتقد بأن لها القدرة على السماع ( قليلا أو كثيرا ) وهي في عالم الأجنة وأنها تسمع دقات قلب الأم وتعتاد عليها ! أضف إلى ذلك أن الإنسان إنما يرى بعينه الأشياء الحسية فقط ، في حين أن الأذن تعتبر وسيلة للتربية والتعليم في جميع المجالات ، فالإنسان يصل بواسطة سماع الكلمات إلى معرفة جميع الحقائق سواء ما كان منها في دائرة الحس أو ما كان خارجها ، وليس للعين هذه السعة ، وصحيح أن الإنسان يمكنه تحصيل العلم بواسطة القراءة ، إلا أن القراءة ليست عامة لكل الناس وسماع الكلمات أمر عام . أما سبب ورود " السمع " بصيغة المفرد و " الأبصار " بصيغة الجمع ، فقد بيناه عند تفسيرنا للآية ( 7 ) من سورة البقرة . وثمة ملاحظة أخرى ينبغي ذكرها تتعلق بكلمة " الفؤاد " ، فقد جاءت هنا بمعنى القلب ( العقل ) الذي يعيش حالة التوقد ، وبعبارة أخرى : يعيش حالة التفسير والتحليل والابتكار . يقول الراغب في مفرداته : ( الفؤاد كالقلب ، لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد ) . ومن المسلم به أن هذا الموضوع يحصل للإنسان بعد حصوله على تجارب كافية . وعلى أية حال ، فآلات المعرفة وإن لم تنحصر بهذه الأجهزة الثلاث ، إلا أنها أفضل الأجهزة جميعا ، لأن علم الإنسان إما أن يكون عن طريق التجربة أو عند